إستراتيجية التفاؤل في ضوء قصيدة فلسفة الحياة لإيليا أبو ماضي

From Religion
Jump to navigation Jump to search
کتابیات
مجلہ الایضاح
عنوان إستراتيجية التفاؤل في ضوء قصيدة فلسفة الحياة لإيليا أبو ماضي
انگریزی عنوان
The Strategy of Optimism in the Light of the Elia Abu Madi’s Poem: “The Philosophy of Life”
مصنف زبير، بخت، محمد ظاهر شاه
جلد 34
شمارہ 1
سال 2017
صفحات 187-199
مکمل مقالہ Crystal Clear mimetype pdf.png
یو آر آیل
شکاگو 16 زبير، بخت، محمد ظاهر شاه۔ "إستراتيجية التفاؤل في ضوء قصيدة فلسفة الحياة لإيليا أبو ماضي۔" الایضاح 34, شمارہ۔ 1 (2017)۔
قرآن مجید بطور معجزاتی چیلنج: قدیم و جدید آراء کا تقابل
صحیح البخاری کی کتب اور ابواب میں نظم و مناسبت تحقیقی جائزہ
اجتماعی اجتہاد کا تصور اور عصر حاضر کے اہم توجہ طلب شرعی مسائل کے حل کے لئے عالم اسلام کے اہم اداروں کا تعارف
خلع میں شوہر کی رضامندی و عدم رضامندی: یک طرفہ فیصلے کی شرعی حیثیت
مسیحیت، اناجیل اربعہ اور بنیادی مسیحی عقائد کا مختصر تعارف
پاکستانی معاشرے میں تاخیر سے شادیوں کا اسلامی نقطہ نظر سےجائزہ
تصوف کے غیر مشہور سلاسل کا تحقیقی جائزہ
ابن خرداذبہ اور ان كى كتاب المسالك والممالك: تاریخى وتنقیدى جائزہ
كمال التحقيق في ترجمة نبي الله يوسف الصديق
صاحبزاده ميان محمدي بن ميان عمر: حياته، خدماته وآثاره العلمية
أدب الرحلة: أهميته وأسلوبه وخصائصه وتطوره
إستراتيجية التفاؤل في ضوء قصيدة فلسفة الحياة لإيليا أبو ماضي
الفكر السياسي الإسلامي وتطوره من الشورى إلى الديمقراطية
دور الفرد في مكافحة الجريمة الجنائية في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي
أمير الشعراء أحمد شوقي: نثره الفني ومنهجه
Beyond Ritualism: Impact and Implications of Ḥajj on the Society of Pakistan
Istisnā’- a Realistic Approach to the Concept in Islamic Finance and its Application to the Agricultural Sector in Pakistan
The Universality and Scope of Justice in Islam
Theological Foundations for Interfaith Dialogue in Islam
The Indian Muslims’ Services to Afghanistan & Turkey (1901-1929)
Al-Sukākī’s Classification of Metaphor and Qurānic Discourse
An Overview of the Religious Perspective of Honour Killing in Federally Administered Tribal Areas (Fata) of Pakistan
Stylistic and Semantic Incongruities in the Earliest Purported English Translation of the Qur’an by Alexander Ross
The Region of Punjab: A Sufi Perspective With Particular Focus on Chishtiya Sufism

Abstract

Regarding life, people’s thoughts have always been different. This is because of their personal opinions and social and political life that greatly affects human lives. Some people lead a joyful and content life. They think life is full of joys and happiness. Therefore, they always remain hopeful about it; and thus lead a happy life. These optimists always search the positive aspects of life; and shun themselves away from the negative aspects which blacken life. Amongst such people, one is Elia Abu Madi who seems to have adopted the positive and pleasurable aspect of life and invites others to do so. He is of the view that happiness is in human’s hand. If he wants, he can bring himself happiness. This article describes the mentioned strategy of this great poet that he has presented in his poem “The Philosophy of Life”.

إستراتيجية التفاؤل في ضوء قصيدة "فلسفة الحياة" لإيليا أبو ماضي

The strategy of optimism in the light of the Elia Abu Madi’s poem: “The Philosophy of life”

[1]بخت زبير

    • د.محمد ظاهرشاه

Abstract:

Regarding life, people’s thoughts have always been different. This is because of their personal opinions and social and political life that greatly affects human lives. Some people lead a joyful and content life. They think life is full of joys and happiness. Therefore, they always remain hopeful about it; and thus lead a happy life. These optimists always search the positive aspects of life; and shun themselves away from the negative aspects which blacken life.

Amongst such people, one is Elia Abu Madi who seems to have adopted the positive and pleasurable aspect of life and invites others to do so. He is of the view that happiness is in human’s hand. If he wants, he can bring himself happiness.

This article describes the mentioned strategy of this great poet that he has presented in his poem “The Philosophy of Life”.

………………………………………………...

يختلف إقبال الناس على الحياة من شخص لآخر حسب رأيهم وظروفهم الإجتماعية والسياسية والنفسية التي تؤثر عليهم سلبا وإيجابا. ونتيجة لتلك الظروف والمؤثرات بعض الناس يقبلون على هذه الحياة فرحين سعداء لا يرون في الدنيا إلا كل خير ولا يأملون إلا الخير والسعادة. وهم الذين يعيشون حياتهم سعيدة فرحة ويدعون إلى الإستمتاع بالحياة وإلى التفاؤل. هؤلاء هم المتفائلون الذين يرون الحياة جمالا وسعادة ويبحثون فيها عن الجوانب المضيئة المشرقة ويصفونها ويصورونها بأجمل الصور وأحلاها.

إن التفاؤل يقود الناس إلى التعامل الإيجابي مع الكون المنظور والغيبي، والمتفائل ينظر إلى الحياة بطريقة أكثر حيوية وإيجابية من غيره، ويرى الجوانب المشرقة في الحياة غير المظلمة منها، وبالتالي يؤثر التفاؤل تأثيرا كبيرا على التفكير والعمل كما أنه يوسع في إمكانية تحقيق النجاح في نفس الوقت، ويبعث على كسب الأعمال الحميدة في الدنيا والآخرة. لذا يعد التفاؤل ضرورة من الضرورات التي لا يستغني عنها الإنسان.

إنه يقود الإنسان ألى مفاهيم مهمة وعظيمة مثل حسن الظن بالله تعالى، الذي يعد أهم ركن في النجاح. والمتثقف بثقافة التفاؤل يشعر بآثاره في كل زمان ومكان، مثل تفاؤل المريض بالشفاء، وتفاؤل الأم بوضع الجنين مولودا صحصيحا سليما، وتفاؤل الطالب بالنجاح والتقدم، وتفاؤل التائب بقبول الله لتوبته، وتفاؤل الصالح الطائع برفع درجاته عند ربه.

وظاهرة التفاؤل قد ظهرت جلية عند شعراء المهجر مع أنه يوجد من بينهم من سلك مسلك التشاؤم ولكن التفاؤل نجده لديهم غزيرا وفيرا، والشعراء المهجريين الذين سلكوا مسلك التفاؤل نجدهم داعين إلى حياة مثلى تسودها الفضائل والمساواة والإنسانية. وكانت دعوتهم واضحة هادئة غلبت عليها روح الألفة والمحبة والإخاء، وهم يؤكدون بدعوتهم تلك أن لهذه الحياة صورة مشرقة زاهية إلا أن الإنسان يحتاج إلى نظرة متفائلة ليرى روعتها وجمالها. وهم قد أدركوا كل هذه المعاني السامية بعد تأمل طويل وخبرات واسعة مريرة وهم قد هاجروا من بلادهم وأهاليهم، ولذا نجد الشعراء المهجريين قد نالوا إعجاب كثير من القراء والطلاب والنقاد. ولنقدم إلى القارئ بعض النماذج الشعرية على التي تملأ بالنزعة التفاؤلية لدى شعراء المهجر، على سبيل المثال ميخائيل نعيمة الذي يرشد إلى القوة والصبر في مواجهة النكبات وعدم القنوط واليأس. يقول في قصيدة "الطمأنينة"

سقف بيتي حديد ركـنيتي حجـر
فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجـر
واسبحي يا غيوم واهطلي بالمطــر
واقصفي يا رعود لست أخشى خطر
سقف بيتي حديد ركن بيتي حجـر [2]

ثم يقول:

باب قلبي حصين من صنوف الكدر
فاهجمي يا هموم في المسا والسحـر
وازحفي يا نحوس بالشقا والضجـر
وانزلي بالألـوف يا خطوب البشـر
باب قلبي حصين من صنوف الكدر [3]

وهذه هي دعوة صريحة واضحة إلى مواجهة الصعاب في الحياة.

أما "رشيد أيوب" فهو لا يدعو إلى مواجهة الصعاب فقط بل يدعو إلى بحث الجوانب المضيئة في الصعاب. يقول في قصيدة "زمان الخريف":

أحب الشـتاء لأن لــه ضبابا كهمي ثقيـلا كثيف
وأهـوى الربيع فانفاـه دواء لجسمي العليل الضعيف
وأصبو إلى الصيف مستأنسا بوحشة ليلي الطويل المخيف
وتشتاق نفسي الخريف وقد تجني علي زمـان الخـريف
فيا دهر هل فيك مثلي فتى يلاقي الرزايا بوجـه لطيف [4]

ومن هؤلاء المتفائلين، الشاعر المهجري الكبير "إيليا أبو ماضي" الذي جعل التفاؤل والاستمتاع بالحياة فلسفة له، فدعا إلى التمتع والتفاؤل وبأن السعادة بيد الإنسان إذا أراد الحصول عليها، وقد كثر في شعره الدعوة إلى التفاؤل ومنه قصيدته المشهورة "فلسفة الحياة" فيأتي هذا البحث لنبين فيه إستراتيجية التفاؤل في ضوء تلك القصيدة المشهورة معتمدا على النقاط الآتية:

معنى الإستراتجية

معنى التفاؤل.

نبذة عن الشاعر.

إستراتجية التفاؤل في ضوء قصيدة "فلسفة الحياة".

وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

معنى الإستراتيجية:

أصل كلمة استراتيجية هو التعبير اليوناني استراتيجوس (strategos) ومعناه التعبير عن الأمر العسكري والقيادة في حين من الأحيان. ثم تطور مفهومها العام واستعمالاتها. فأريد بها مجموعة من الوسائل التي تستخدم لتحقيق الوصول إلى الأغراض المحدودة. كما أريد بها أيضا: التخطيط لحملة والأسلوب الذي يجر به القائد عدوه إلى الحرب والمعركة. وأريد بها كذلك: التدابير التي تستعمل في تحريك قضية ما للوصول إلى الجهة الحاسمة في الظروف أكثر ملائمة.

ونظرا إلى التطور الذي نشاهده في سائر مجلات الحياة اليوم، توسع استعمال كلمة "استراتيجية" كذلك فبدأ لكل مجال من مجالات المتعلقة بالمعاش والإقتصاد، والسياسة والإجتماع، والجيش والحرب، والأمور الدينية استراتيجية خاصة به. فالاستراتيجية هي فن يمزج فيه بين الفكرة والوسائل من أجل الوصول إلى قبول الغاية ، أو من أجل تحقيق الغايات الحميدة.[5]

ومع أن الإستراتيجيات تتنوع بتنوع ميادين الحياة إلا أن الإستراتيجية تبقى واحدة في حقيقتها من حيث الأصل والهدف والأسلوب. أما التقسيمات فهي إنما وقعت لضرورات مختلفة مثل العملية والأكاديمية، أو لتوسع مفهومها ومدلولها.ومما لا شك فيه أن لكل موقف استراتيجية مناسبة ولكل قيادة إستراتيجية كذلك فإنها تتأثر بالزمان والمكان والبيئة والإمكانيات العقلية والتقنية.[6]

معنى التفاؤل:

الفأل ضد الطيرة والجمع فؤول، وقال الجوهري: الجمع أفؤل وأنشد للكميت:

ولا أسأل الطير عما تقول ولا تتخالجني الأفؤل[7]

وتفاؤلت به وتفأل به، يقال: تفاءلت بكذا وتفألت. والاسم: الفأل: أن يكون الرجل مريضا فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: ياواجد، فيقول: تفاءلت بكذا، ويتوجه له في ظنه – كما سمع – أنه يبرأ من مرضه أو يجد ضالته، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم: كان يحب الفأل ويكره الطيرة.[8] وهنا يظهر الفرق ما بين الطيرة والفأل، فالطيرة: ضد الفأل، وهي فيما يكره، كالفأل فيما يستحب، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، والفأل فيما يحسن وفيما يسوء.[9] والفأل الصالح: الكلمة الحسنة، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة[10].وهذا يدل على أن من الفأل ما يكون صالحا ومنه ما يكون غير صالح. يقال: تفأل بكذا. ويقال: لا فأل عليك، بمعنى: لا خير عليك، ولا طير عليك، ولا شر عليك. والإفتئال: افتعال من الفأل[11]. قال الكميت يصف خيلا:

إذا ما بدت تحت الخوافق صدقت بأيمن فأل الزاجرين افتئالها[12]

إذا التفاؤل: هو الكلمة التي تحاكي المنظومة الإنسانية – بوجدانها وأحاسيسها وخلاياها الواعية، وتملأ مخزونها في اللاوعي ليكون ذخيرة متوفرة مترادفة تبعث على السلوك الإيجابي في الحياة – فتبعثها على الطمأنينة في أوقات صعبة، وظروف عسيرة، وتمنحها روح التجدد وقابلية السعادة، وتحرك في كوامنها الإيجابية ومقوماتها، وتنهض بها إلى الجد والإجتهاد والإقبال على عمل الدنيا والآخرة بكل حرفية ونشاط، وروح وحماس، وإقدام ومسؤولية.[13]

نبذة عن الشاعر

هو إيليا ضاهر أبو ماضي ولد سنة 1889م،[14] بقرية المحيدثة وهي قرية لبنانية تقع قرب بكفيا في قضاء المتن الشمالي وكانت مدرسة القرية أول بيت علم دخله ونال من علمه واستطاع نيله.[15]

في سنة 1902م حدثته نفسه بالمهاجرة إلى أمريكة لظروف سياسية واقتصادية فترك قريته وتوجه أولا إلى الإسكندرية.[16] حيث كان له عم يتعاطى بيع السجاير قال أبو ماضي في ذلك:" وفي الإسكندرية تعاطيت بيع السجاير في النهار في متجر عمي، وفي الليل كنت أدرس النحو والصرف تارة على نفسي، وتارة في بعض الكتاتيب." وهكذا راح الفتى يحصل من العلم ما استطاع التحصيل، إلى أن كانت سنة 1921م، فأصدر ديوانه الأول بعنوان "تذكار الماضي".[17]

إن الحياة في مصر لم تقدم لإيليا كل ما كان يصبوا إليه، ففي سنة 1912م يمم الولايات المتحدة،[18] التي جذبت الألوف من أبناء وطنه واستقر في مدينة سن سناتي إلى جانب أخيه مراد يعمل في التجارة ويملأ أوقات فراغه بالدرس والمطالعة ونظم الشعر، وفي سنة 1916م انتقل إلى نيويورك وإلى حياة الصحافة والأدب.[19]

لإيليا أبو ماضي عدة دواوين شعرية نشرت في حياته وبعد وفاته منها: تذكار الماضي والجداول والخمائل وتبر وتراب، وإلى جانب تلك الدواوين الضخمة قام الشاعر بأعمال أدبية جليلة أثناء قيامه في المهجر، ففي سنة 1916م بعد وصوله إلى نيويورك عهد إليه في تحرير مجلة "المجلة العربية" وفي سنة 1918م عهد إليه في تحرير مجلة "مرآة الغرب" لصاحبها نجيب دياب، وفي سنة 1929م أنشأ مجلة "السمير" وقد حولها سنة 1936م إلى جريدة يومية. وفي سنة 1920م اشترك في تأسيس "الرابطة القلمية" وكان شاعرها الفذ الذي غزا صيته العالمين القديم والجديد.[20]

"مات الشاعر العربي إيليا أبو ماضي، بعد أن ردد اسمه على كل لسان، وغني بشعره في كل مكان، إن إيليا أبا ماضي حي بقصائده الرفيعة، وأدبه الإنساني، وموسيقاه الرائعة، وقصصه الجميلة، وتسلسل الحركة والصور في شعره تسلسلا عجيبا. إنه شاعر الصور، والتجارب الباطنة العميقة، والإيحاء الذاتي المؤثر".[21]

وكانت أنغامه عزاء المنكوبين، وطمأنينة الحائرين، وابتسامة في وجه الزمان إذا عبس، وأثبت كيان الفكر العربي في العالم الجديد.[22]

وإيليا أبو ماضي في شتى أطوار شعره وشتى مراحل حياته رجل التفاؤل، والدعوة إلى الحياة والطبيعة في إشراق وانفتاح قلما نجدهما عند غيره من شعراء الرومنسية الحديثة.[23]

زار إيليا أبو ماضي لبنان بعد 36 عاما قضاها في أمريكا. ثم عاد إلى نيويورك.[24] وفي سنة 1957م توفاه الله وهو لا يزال في أوج نشاطه الصحافي الشعري.[25]

إستراتيجية التفأؤل في ضوء قصيدة "فلسفة الحياة

لا شك أن إيليا كان يدعو إلى التفاؤل والإستمتاع بالحياة في معظم شعره ومن أجمل ما قال له في هذا الصدد قصيدته "فلسفة الحياة" التي وضع فيها الشاعر أصولا للتفاؤل والحياة السعيدة، وتلك الأصول قد استمدها الشاعر من حياة الإنسان العامة – وهي كالآتي:

#الاستمتاع بالحياة وعدم الالتفات إلى جوانبها المظلمة:

يقول:

أيهـذا الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليـــلا
إن شر الجنـاة في الأرض نفس تتوقى قبل الرحيــل الرحيــلا
وترى الشوك في الورود وتعمـى أن ترى فوقها الندى إكليـــلا
هو عبئ على الحيـاة ثقيــل من يظن الحياة عبئا ثقيــــلا
والذي نفســـه بغير جمـال لا يرى في الوجود شيئا جميــلا
ليس أشقى ممن يرى العيش مرا ويظن اللذات فيه فضــــولا
أحكـم الناس في الحياة أناس عللـــوها فأحسنوا التعليـلا
فتمتع بالصبـح ما دمت فيه لا تخــف أن يزول حتى يزولا
وإذا ما أظـل رأسك هـم قصر البحث فيه كيلا يطولا.[26]

يتعجب الشاعر من الإنسان الذي لا يعرف من الحياة إلا الشكوى وهو لم يمرض بعد، فكيف يكون حاله عندما يمرض فإنه شر الجناة والمذنبين في الأرض لأنه يخاف ويتحذر من الموت قبل وقوعه فيبقى مقيدا بتلك الفكرة طوال الحياة، وبفكرته التشاؤمية تلك هو لا يرى في الورود سوى الأشواك ويعمى من مشاهدة الندى على أوراقها مثل التاج. فالإنسان عندما لا يجعل الجمال من عناصر نفسه لا يستطيع أن يرى في الكون شيئا جميلا.وهؤلاء المتشائمون ذوو النفوس السوداء الثقيلة أصبحوا بأنفسهم عبئا ثقيلا على الحياة. إذا على الإنسان أن يعيش وفق طبيعته فالحياة لا تقوم على الأحزان والهموم، وإذا لم يستفد من نعمة الحياة الجميلة فهي سترحل وستمضي ويبقى ذلك الإنسان كئيبا حزينا. فعليه أن يحكم عقله حتى يعلل الحياة تعليلا صحيحا فإن الشقاء والسعادة في يد الإنسان.

الطيور تعرف قيمة الحيا

يقول:

أدركت كنهـها طيـــور الروابي فمن العار أن تظل جهـــولا
ما تراها والحقــل ملك سـواها تخذت فيه مـرحا ومقيـــلا
تتغنى والصـــقر قد ملك الجـو عليها، والصائدون السبيــلا
تتغنى وقـــد رأت بعضـها يؤ خذ حيا والبعض يقضي قتيلا
تتغنى وعمــــــرها بعض عام أفتبكي وقد تعيش طــويلا؟
فهي فوق الغصون في الفجر تتلو سور الوجد والهـــوى ترتيلا
وهي طورا على الثرى واقعــات تلقط الحب أو تجــر الذيولا
كلما أمسك الغصون سكون صفقت للغصـــون حتى تميلا
فأطلب اللهو مثلما تطلب الأطـ ـيار عند الهجير ظـلا ظليـلا
وتعلم حب اـعة منــــها واترك القال للورى والقيــلا[27]

على الإنسان أن يعيش وفق مشيئة الحياة لأنه غير قادر على رد القضاء. والطيور وسيلة له في ذلك ومثالا يمكن أن يحتذى به وقدوة يصل بها إلى ما يريد، فهي تعيش سعيدة في الحقول التي هي ليست ملكا لها، ولا تبالي بالصقور التي ملأت الفضاء عليها وبكثرة شباك الصيادين. وهي التي تشاهد غيرها تؤخذ حيا فتسجن في الأقفاص والأخرى تقتل ومع كل هذه المصائب والأخطار تغني مبتهجة مسرورة تشتغل بإستقبال الصباح بالغناء ووداع الأصيل بالنجوى.

وهذه الطيور لا تبالي بما يكدر صفحة حياتها فتستمر في الاستمتاع وهي تعلم أن عمرها لا تزيد على شهور قليلة من العام، فلماذا تبكي وتندب مع أنك ستعيش عمرا طويلا. فابحث في حياتك كل ما يسعدها مثلما تفعل الطيور عندما تلتمس الظل عند اشتداد الحر عند الظهيرة. تأمل الطيور وحياتها وتعلم منها حب الحياة والاستمتاع بالطبيعة واترك كلام الناس الذي لا ينفعك ويبعدك عن الحياة وملذاتها.

الاعتقاد الجازم بأن الحياة لم تخلق ليشقى فيها الإنسان:

يقول:

أنت للأرض أولا وأخيـرا كنت ملكا أو كنت عبدا ذليلا
لا خلــود تحت السماء لحــي فلماذا راود المستحـلا؟
كل نجـم إلا الأفول ولكـن آفة النجـم أن يخاف الأفــولا
غـاية الورد في الرياض ذبـول كن حكيما واسبق إليه الذبولا
وإذا ما وجدت في الإرض ظلا فتفيأ به إلـى أن يحـولا
وتوقع إذا السمـاء أكفهرت مطرا في الهول يحي السهولا
قل للـقوم يستنزفون المـآقي هل شفيتم مع البكاء غليلا؟
ما أتيـنا إلى الحياة لنشـقى فأريحوا أهل العقــــول العقولا
كل من يجمـع الهموم عليه أخذته الهموم أخذا وبيلا.[28]

إن الحياة ليست مكانا للشقاء للإنسان لأن مآله للتراب مهما يكن، ملكا كان أو عبدا ذليلا. فالنجوم يجب أن تعلم أنها تطلع لتغرب بعده فلماذا تخاف من الغروب. والشاعر يدعو الإنسان بأن يستمتع بكل لحظة تمر عليه فإذا وجد مكانا ظليلا وقت الهجير عليه أن يستظل به ولا يفكر في أنه سيتحول بعد مدة من الوقت. وعندما يرى السماء مكفهرة غاضبة فعليه أن يتوقع المطر ونزوله بالخير ولا يتوقع الشر. نحن لم نأت إلى الحياة لنشقى ونحزن وكل من يملك عقلا عليه أن يدرك ذلك ويريح عقله. فإن كثرة الهموم تقضي على الإنسان.

على الإنسان أن يكون مصدرا للجمال:

يقول:

كن هـــزارا في عشه يتغنى ومع الكبـل لا يبالي الكبـولا
لا غرابا يطارد الدود في الأر ض ، وبوما في الليل يبكي الطلولا
كـن غديرا في الأرض رقــرا قا فيسـقي من جانبيه الحقــولا
تستـحم النجــوم فيه ويلقــى كل شخص وكل شيــئ مثيلا
لا وعـاءا يقيــد المـاء حتى تستحيل المياه فيه وحــولا
كن مع الفجر نسمة توسع الأز هار شمـا وتارة تقبيـــلا
لا سمومــا في السوافي اللـواتي تملأ الأرض في الظلام عويــلا
ومع الليل كوكبـا يونس الغـا بات والنهر والربى والسهـولا
لا دجــى يكره العـوالم والنا س فيلقى على الجميع سدولا
أيذا الشـــاكي وما بك داء كن جميلا ترى الوجود جميلا.[29]

يطلب الشاعر من الإنسان أن يكون مثل العصفور الذي يتغنى سعيدا في جميع الأوقات حتى في حبسه في القفص، ولا يكون مثل الغراب المتشاءم الذي يقبل الذل باحثا عن الدود في الأرض أو مثل البومة التي لا تعرف إلا البكاء على آثار الديار المهجورة، وعلى الإنسان أن يؤمن أن السعادة إنما تقوم على التبادل والتعاون ويجب أن لا يحصرها في محيط ضيق لا يسع لغيره، بل يجب أن يأخذ في الحسبان سعادة الآخرين فبالتالي يسعد قبل الآخرين. فالماء في الغدير لا يكون صافيا عذبا إلا إذا كان دائم الجريان ويسقي في جريانه الحقول على جانبيه فيبقى الماء فيه رقراقا صافيا. أما لو حاول أن يحصر فائدته على نفسه فيحبس ماؤه في داخل حوضه فسرعان ما يفسد هذا الماء ويعكر فلا يصلح لنفسه ولا غيره حتى يصبح مصدرا للأمراض والآلام والشقاء. وهكذا يجب أن يكون الإنسان. فلينشر السعادة ويفيد البشرية. وأن يكون مثل نسمة الفجر العليلة التي تمتع الطبيعة وتنشر شم الزهور في الأرجاء . ولا يكون كالرياح الحارة المحملة بالغبار فتملأ الأرض خوفا وصياحا وعويلا. ويطلب من الإنسان أن يكون مثل الكوكب المنير الذي يسري الغابات والأنهار والروابي والسهول في ظلمة الليل. ولا يكون كالظلام التي لا تحب العالم فتغطيه بالأستار كأن العالم ميت لا حياة فيه.

وفي ختام القصيدة يدعو الشاعر الإنسان بأن يخلق في نفسه الجمال فسيرى الوجود جميلا ويسعد به دون شقاء وألم.

تلك هي قصيدة "فلسفة الحياة" ولعلها دستورا للحياة الهادئة الهانئة وقد وصل فيها الشاعر إلى تلك المعاني السامية من خلال تجاربه المريرة ولكنه انتهى إلى تلك النزعية التفاؤلية التي تكسو الحياة ثوبا جميلا من السعادة والسرور.


حوالہ جات

  1. باحث في مرحلة الدكتوراه في جامعة اسلامية كالج بشاور
      • الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية بجامعة بشاور
  2. . ميخائيل نعيمة، همس الجفون، الطبعة السادسة-2004م، مجموعة نوفل- بيروت، ص:71.
  3. . نفس المصدر.
  4. . رشيد أيوب، ديوان الأيوبيات، ص:54.
  5. . عبد القدوس بن أسامة السامرائي، إستراتيجية التفاؤل سبيلك إلى النجاح، الطبعة الأولى- 2011م ، دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري – دبي، ص: 13 ( ينظر كذلك: الإستراتيجية وتاريخها في العالم، لليدل هارت، ترجمة: الهيثم الأيوبي، الطبعة الرابعة – 2000م، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت.)
  6. . نفس المصدر.
  7. . الكميت بن زيد الأسدي، الديوان، الطبعة الأولى-2000م، دار صادر- بيروت، ص:326.
  8. . مسند الإمام أحمد، الطبعة الأولى-1998م، مؤسسة الرسالة- بيروت، 21/382.(رقم:13949)
  9. . ابن سيدة، المخصص، (د-ت-ط)، دار الكتب العلمية- بيروت، 4/18.
  10. . محمد بن اسماعيل البخاري، صحيح البخاري، الطبعة الأولى-2002م، دار ابن كثير –دمشق، ص:1457، حديث رقم:5756.
  11. . ابن منظور، لسان العرب، الطبعة الأولى – 1300هـ ، دار الصادر – بيروت. 11/513. (ينظر كذلك: القاموس المحيط للفيروز آبادي، ص:1216 ، والصحاح: للجوهري، ص:869.
  12. . الكميت بن زيد الأسدي، المصدر السابق، ص:282.
  13. . عبد القدوس بن أسامة السامرائي، المصدر السابق، ص:21.
  14. . عيسى الناعوري، أدب المهجر ، ط:3 (د-ت) ، دار المعارف ، القاهرة ص: 364.
  15. . حنا الفاخوري ، الجامع في تاريخ الأدب العربي (الأدب الحديث) ط : 1 -1986م ، دار الجيل بيروت، ص: 595.
  16. . عمر رضا كحالة ، معجم المؤلفين ، (د- ط) 1957م مؤسسة الرسالة ...... 1/416.
  17. . حنا الفاخوري، المصدر السابق، ص : 595. ومحمد عبد المنعم الخفاجي، دراسات في الأدب العربي الحديث ومدارسه، ط:1-1992، دار الجيل-بيروت، ص:368.
  18. . عمر رضا كحالة ، المصدر السابق، ص 416، وحنا الفاخوري، المصدر السابق، ص: 595، والزركلي، الأعلام: 2/35.
  19. . حنا الفاخوري، المصدر السابق، ص 595. ومحمد عبد المنعم الخفاجي، دراسات في الأدب العربي الحديث ومدارسه، ص:368
  20. . حنا الفاخوري ، الجامع في تاريخ الأدب العربي (الأدب الحديث)، ص:595. ومحمد عبد المنعم الخفاجي، دراسات في الأدب العربي الحديث ومدارسه، ص:368.
  21. . محمد عبد المنعم الخفاجي، المصدر السابق، ص:365.
  22. . نفس المصدر.
  23. . حنا الفاخوري، المصدر السابق ،ص 593.
  24. . عمر رضا كحالة ، معجم المؤلفين، ص 1/416.
  25. . حنا الفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي (الأدب الحديث)، ص:595.
  26. . إيليا أبو ماضي ، الأعمال الشعرية الكاملة، ص256.
  27. . نفس المصدر..
  28. . نفس المصدر..ص257.
  29. . نفس المصدر.