Playstore.png

أحمد شوقي: شاعر الأمراء في القرن الرابع عشر

From Religion
Jump to navigation Jump to search
کتابیات
مجلہ برجس
عنوان أحمد شوقي: شاعر الأمراء في القرن الرابع عشر
انگریزی عنوان
Ahmad Shoqi; The Poet of the Lords in 14th Century A.H
مصنف الحسين، شمس، محمد فياض
جلد 2
شمارہ 2
سال 2015
صفحات 145-157
مکمل مقالہ Crystal Clear mimetype pdf.png
یو آر آیل
کلیدی الفاظ
shoq┘,s poetry, his authenticity, his lords, his fames and rivals, contradiction, the deniers, the accepters
شکاگو 16 الحسين، شمس، محمد فياض۔ "أحمد شوقي: شاعر الأمراء في القرن الرابع عشر۔" برجس 2, شمارہ۔ 2 (2015)۔

Abstract

Although the contribution of Ahmad Shoq┘ to Arabic literature, particularly to its poetry which is praised everywhere, which made him an authority and gained him the honor, yet there is a great contradiction between his fames and opposition; the fames accept him as lord of the poets while the opposition deny this status and title him as the poet of the lords. These contradictions made an unsatisfactory condition amongst the scholars about his personality and the contributions he added. The question is that; how much reality has the opinion of the denier? This article provides the evidences taken from his poetry and proves the realities about the blames raised by the opposition, and then solves the matter. It also makes a reader convinced to accept it, but not to forget the contribution made by this great poet of a great language with a huge literature.

لقد ثبت من شعراء العرب شبه التصاق بالسلاطين والأمراء الذين كانوا يكرمون هؤلاء الشعراء وينزلونهم المنزلة اللائقة بهم. فكان في العصر الجاهلي سيدنا حسان بن ثابت(1)  رضي الله عنه والنابغة الذبياني(2) يمدحان الملوك؛ الغسانيين وملك الحيرة، وكان الملوك يجزلون لهما العطاء جزاء بما كانت جماعة الشعراء يحسنون فيهم القول. ومن جيّد شعر الحسان فيهم:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم                    قبر ابن مارية الكريم المفضل(3)

لا معنى هذا أنهم التزموا بالملوك حيثما حلوا وكيفما أحلوا، بل أكرمهم الملوك لاحتياجهم إلى الشعراء في مدحهم إياهم ومبالغةً في شرفهم وفضلهم ومراعاةً لصيت الشعراء عند العرب مثل الصيت العام للخطباء لديهم.

ثم مضى العصر وجاء عصر الأمويين فخصّص بعضُ خلفائهم شاعراً لهم، ثم ما انفك الشاعر يلزم الخلفاء ويدافع عنهم ويمدحهم، وهؤلاء الخلفاء يجزلون لهم العطاء مثلاً بعينٍ، كما لازم الأخطل(4)بني أمية حتى مات؛ فهذا هو يقول في عبد الملك بن مروان(5) يمدحه: 

وما بلغت كعب امرئ متطاول                به المجد إلّا حيث ما نلت أطول

وما بلغ المهدون فى القول مدحة              ولو أكثروا، إلّا الذى فيك أفضل(6)

ارتوت الأرض بالخلافة الأموية شعراً ثم أعقبه العباسيون الذين عاشوا لمدة أكثر على ست قرون، واختلف شعراء الخلفاء باختلاف أمزجتهم وتنوعّ عقولهم، ومدح كل منهم ممدوحَه بما كان يحبه الخليفة أو وزيره مع إدخال رأيهم في ميلان الجماليات الخلقية. وأشهر تلك الشعراء المادحين هو المتنبي(7) الذي عاصر سيف الدولة(8) ومدحه وعرّف به بحيثية أن يتصور رجل بوجود أحد الشيئين وجود الآخر، فعرف كل منهم بصاحبه الآخر وبالغ في مدحه مبالغةً تقل له مثيلات شعرية في مدائح غيره، كقوله في مدحه:

حَالُ أَعدائِنا عظيمٌ وسَيْفُ الدَّ                ولَةِ ابنُ السُّيوفِ أَعْظَمُ حالا

كلَّما أَعْجَلوا النَّذيرَ مَسِـيراً                     أَعْجَلَتْهُمْ جِيادهُ الإِعْجَـالا

فَأَتَتْهُم خَوارِقُ الأَرْضِ مـاتَح                   مِـلُ إِلاَّ الحَدِيْدَ والأَبْطـالا(9)

وهي أشعار غير عديدة في مدحه فضلا عن ممارسته في فنون الأدب المتنوعة وكثرت أبياته الشعرية حتى اتهّمه بعض الأدباء بالسرقة الشعرية في لفظه ومعانيه(10)

وفعل هؤلاء الشعراء نفس العمل بأشعارهم في كل العصور من بداية الزمن الجاهلي حتى العصر الحديث ما يبدأ بإغارة نابليون(11) على مصر سنة 1798م. وظل الأدب يفرّ، ويطلب مغاراً في مصر بعد الإغارة، فأن طلع قرن الشعر أحمد شوقي بوشك رحيل القرن الثالث عشر، فنشأ شوقي بالبرجي العاجي وشرع بمدح الملوك الذين قد أحسنوا إليه ببعثته إلى فرنسا ليتثقف بآدابهم وأدب الإنجليز. وأحمد شوقي دافع عنهم حق الدفاع بدلا من المنح والعطايا الجزيلة ما وقع على يديه من الخديويين. ثم اعتاد شوقي بمدح الملوك مصاحبة منه بعدم الغفلة عن الذين تعرضوا لهؤلاء الملوك رغم كون المتعرَّضين من الطبقة البرجوازية السخفة بصرف النظر عن تلك المدائح في حق المساكين أو عامة العمّال، هناك تقاطر بإشادة رجال المناصب العالية في شعره؛ من دعاة الدين، ورجال السياسة، وأهل السيف والسنان. وتسلسل المدائح إلى أن غرب شمس الشعر أعني: أحمد شوقي بعد أن عاد من المنفى بالأندلس سنة 1919م بنهاية الحرب العالمية الأولى، وأما نفيه فيدلّ على أنه دافع عن الأسرة الحاكمة، وعقاباً بالدفاع عنهم نفاه المغيرون على عرش مصر إلى إسبانيا باختياره لنفسه في الفقرات القادمة سيتوضح كم كثُر مَن مدحه بشعره وأشاد بخصائله وأعلن بمحاسنه وتغنى بأمجاده وسرّ بمسراته!

وقَعَ يوم أن اللورد كرومر(12)خطب في حفلة أقيمت بمناسبة وداعه من مصر، فندّد بإسماعيل وعصره، وذم المصريين لأنهم لم يقدروا منن الاحتلال الإنكليزي، فثار شوقي ثورانَ البحر الهائل، وهجاه قائلاً:

أيامــكم أم عهــد إسماعيلا                      أم أنت فرعون يسـوس النيلا ؟

أم حاكم في أرض مصـر بأمـره                 لا ســائلاً أبدا ولا مسؤولاً ؟

ثم انتهى في هجاء اللورد كرومر حتى ذهب إلى اتّهامه بالخراب في مصر وأنه أفسد المصالح خلال احتلاله على مصر فيقول:

هدمـت معالمها وهدّت ركنها                  وأضـعت استقلالها المأمـولا

لما رحلت عـن البلاد تشهّدت                فكأنك الداء العـياء رحـيلاً(13)

يتوضح من أبيات الشعر المتقدمة كيفية مناضلة شوقي عن حكام مصر، ويوضح لنا كيف كان يغير لهم ويشتعل باستماع مقابحه؟ وهو لا ينسى في كل حال ما أحدثه الحكام إليه من إعطاء العطايا والإحسان في تربيته كلما كان يحتاج إليه وهو مربوب في يدي جدته الخادمة في القصر.

وكذا هو يرثي رئيس الوزراء: مصطفى باشا فهمي(14) فيقول:

يآيـها الــناعي أبـا الـوزراء                        هـذا أوان جلائــل الأنبـاء

           حثّ البريد مشـارقـاً ومغاربـاً                   واركب جناح البرق في الأرجاء

           واستبك هذا الناس دمعاً أو دمـاً              فاليــوم يوم مـدامع ودمـاء(15)

فشوقي قد سمى يوم توفي مصطفي بأنه يوم المدامع والدماء ويناسب أن تُجرى فيه المدامع والدماء معاً عظمةً لوقعة الموت. وشوقي نفسه يرثي مصطفى كامل؛ قائد الشعب المصري وخادهم فيهمل شأنه اللائق به ويغفل عن علاقات الصداقة الحميمة بينه وبين مصطفى كامل، ولا ينسى رجل مثل هذه الأشخاص في كل مراحل حياته فضلاً عن رثائه كما يستحقه. ويُعلّل النقاد هذا الفعل لكون مصطفى كامل(16) غير مبالٍ بأهل القصور وكانوا يسخطون عليه، ولمـّا هصر القدر غصن حياته خمله أحمد شوقي ولم يكتب فيه مرثية إلا بعد مرور مدة طويلة إرضاءً للشعب مع أن الشاعر قد ألقى بها في أعين الشعب المصري قذارةً.

ثم يقول:

    المشــرقان عليــك ينتحبان                 قاصيــهما في مـأتم والداني

ثم بالسرعة إبان الرثاء يعود إلى فلسفة الحياة والموت، فقال:

    دقّــاتُ قلــب المرء قائلة له                إن الحيـاة دقــائـق وثواني(17)

ولمـّا أهمل الشاعر شخصية مصطفى كامل الشهيرة فاضطرّ الدكتور شوقي ضيف  إلى أن قال:

"كل ذلك لأن شوقي كان يخاف الخديوي، ويخشى سخطه، وهو في الوقت نفسه يريد أن يرضى الجمهور وأن يرضى الشعب الذي يقرؤه، فيحاوره ويداوره، وتخرج القصيدة على هذه الشاكلة من الحديث في فلسفة الحياة والموت، وإن تركها فإلى الأخلاق وما يتصل بالأخلاق. أما سيرة مصطفى كامل، وأما خدماته الوطنيه، وأما تعلق المصريين به، فكل ذلك يوضع عليه ستار، ويغشاه ضباب".(18)

ما راعى شوقي هؤلاء الرجال رجال المناصب العالية في مساكن الأبّهة بل وتتابعهم بشعره حيثما حلّوا وأينما توطّنوا. فذات سنة حجّ إسماعيل الخديوي ملك مصر فأرسل الشاعر إلى شريف مكة قطعة من الشعر ليوصلها إلى إسماعيل فها هو يقول:

دامت معاليك فينا يا ابن فاطمة              ودام منكم لأفق البيت نبراس

قل للخديو إذا وافـيت سدته                  تمشي إليه ويمشي خلفك الناس

حج الأمير له الدنيا قد ابتهجت              والعَود والعبد أفراح وأعراس

فلتحي ملّتنـا، فلـتحي أمّتنـا                    فليحي سلطاننا، فليحي عباس(19)

الأبيات المتقدمة تلقي ضوءً كاملاً برغبة شوقي في مسرّة السلطان ولو كان خارج المنطقة التي عليها غلبة له ويطاع هناك، وربما فعله شوقي لمكافأة العطايا ما منحتها أسرة السلطان إياه. وقولنا بهذا ليس بتحّكم محض، إذ الشاعر قد غضب على من انتقص من شأن السلطان وأهله، كما سبق في الأبيات السالفة أنه استهزأ بكرومر عندما سمعه يتهكّم بأميره.

وبعد الاستعطاف من إسماعيل هذا نرجع إلى إحدى أفراد الأسرة الحاكمة التي قد أشاد بها أمير الشعراء وبالغ فيها بحيث بكى بموت الأميرة فاطمة إسماعيل التي كان لها الفضل والسبق في تأسيس الجامعة المصرية، وقد توفي سنة 1920م فقال شوقي فيها:

مـا أنزلـوا إلى الـثـرى                 بـالأمـس إلا نـيّـرة

سـيـروا بهـا تـقـيـة                    نـقـيــة مـبـررة

ثم يتحول عن سيرتها الذاتية ويتذكر له مفاخر الفاطمة ومآثرها، ثم يصفها بأحلى الكلمات ما يضطر الرجل على البكاء بعد أن انقض عرش حياتها، فهو يقول:

مـن ذا يؤسي هـذا الجـا             مـعـة المـستعـبـرة ؟

فاطـم مـن يولـد يمـت               المهـد جـسر المقـبرة(20)

في البيتين يعترف الشاعر بما فعلت الفاطمة الأميرة في إنشاء الجامعة وقد عبّر عن خوالجه حول موتها ثم يسلّي الباقين حتى استكملت القصيدة وهي تستغرق أربعين بيتاً من الشعر على هذا النمط.

ثم شوقي يتغنى بما رآه من بطرس باشا(21) من محاسن خلقه مع أنه قد غلى الشاعر غلوا كبيرا فيما تذكّر له. فهو يمدح بطرس بقوله التالي.

           قبر الوزير، تحيـة وسلامـا                       الحُـلم والمعـروف فيك أقاما                     ومحاسن الأخلاق فيك تغيبت                عاماً، وسوف تُغيّب الأعوامـا

بعد تقديم الهدية لبطرس يعدّ ما أحسنه إلى الناس بين البؤساء والفقراء فيقول:

           اليوم يغني عنك لوعةُ بائس                   وعزاءُ أرمـلة وحـزنُ يتامى

ثم يقول إن الناس قد تمنّوا أن تقام عليهم القيامة بوفاته لهولة تلك الكارثة لهم، فيقول:

           ودّوا غداة نُقلتَ بين عيـونهم                  لو كان ذلك محشـراً وقياما

ثم يعود كعادته إلى الحنكات الكبرى والتجارب القيّمة التي قد حصلت بمرّ الزمان وكّره، فيُذكره

حسنات تفيد رجلاً بعد حياته، ثم يُذكره الموت بأنه لا دوام لأحد في الحياة الدنيا، وأنه لم يمت

وحده بل كل نفس تموت، كأنه يخاطبه فيسلّيه. فهذا هو يقول:

           والرأي للتاريخ فيك؛ ففي غدٍ                 يزن الرجالَ، وينطق الأحكاما

           يقضي عليهم في البرية أو لهـم                 ويـديم حمـداً، أو يؤيد ذاماً(22)

ثم لما ثار الشريف الحسين بن علي(23) على الترك بمكة سنة 1916م، وتولى أمر السلطنة فاستجاور عليه أمير الشعراء، وعدّ من مناقبه ما حصل له ولأجداده الحسنيين الذين كانت لهم الأيدي الطوال في سد الثغور وشرد الغدور فهو يقول:

           دبّروا المُلك في العراق وفي الشا                م، فسنّوا الهدى، وردّوا  المظالم

           أمِن الناس في ذراهم، وطـابت                 عرب الأرض تحتهم، وأعاجـم(24)

بعد القول الطويل في أيادي الحسين إلى عامة السكان في داخل الجزيرة العربية، يعود الشاعر النبيل إلى شدّة قُواه وغلبته وسيطرته وهيبته على من تولّاهم؛ فهو يقول:

           كلنا وارد السـراب، وكلُّ                       حملٍ في وليمــة الذئب طاعم

           كلنا رجونا من المغانم حظـاً                    ووردنا الوغى، فكلنا الغنـائم(25)

قد لاحظنا سحر بلاغة الشاعر بحيث هو يجعل من نفسه فريسة أمام الملك الحسين كأنه تابعٌ له، وكأنه قد أكثر الملك في المحاسن إلى أهل توليتِه. ثم ينعت شاعر الأمراء: أحمد شوقي موقفه حول تحرر الحجازيين عن حكم الأتراك، ثم يرى الشاعر هذا الموقف من فراسة الملك الحسين ويعدّه من عظائم أموره، فيقول:

           إنما الهمّة البعـيدة غـرسٌ                        متأتّي الجنى، بطئ الكمـاكم(26)

           حبّذا موقف غُلبتَ عـليه                      لم يفقـه للعرب قبلك خادم

ثم يتأسف على حال العرب الذين تداولوا في أيدي الناس الألى تلعّبوا بالعرب ككونهم سلعة تجارة يتخذها من يكثر لديه الدنانير والدراهم، ثم جاء الملك الحسين فحرّرهم من متجر التجّار وتنفس العرب في فضاء السرور والبهجة وأحسوا بالأمن والمراح في المملكة الجديدة، فهو يقول:

           ذائداً عن ممالك وشعـوبٍ                     نُقلتْ في الأكف نقل الـدراهم

           كل ماء لهم، وكل سـماءٍ                      موطئ الخيل، أو مطار القشاعم(27)، (28)ما كان هذا شأن شوقي في مدحه للسلاطين والأمراء الذين عاشوا في زمنه فقط، بل وشمل نعوته لكل من لفت إليه نظره اللافت السائر في شتى أقطار الأرض وفي عديدة الوقائع اليومية مع اختلاف الممدوحين زمناً ومرتبةً. ويوما وقف غليوم الثاني على قبر صلاح الدين الأيوبي(29) وحيأّه، فاهتزّ الشاعر لتحية الغليوم وجعل يغني بما كان يتحمّله السلطان صلاح الدين من المزايا والخصال. وكذا أشاد بتحية الغليوم للسلطان المذكور. فهو يشيده قائلاً: 

           عظيم الناس من يبكي العظاما                ويندبهم ولو كانوا عظـاما

           وأكرم من غمام عند محـلٍ                     فتىً يحيي بمدحتـه الكراما(30)

في البيتين نرى شوقياً يؤقر ويستحسن أمر غليوم على قبر السلطان صلاح الدين، وكذا يذكر إشادة غليوم له في ضمن الأمثال المضبوطة المتؤيدة. كما هو يقول: ما يمدح رجل عظاماً من الناس إلا ويكون بنفسه ذا فتوة وسخاء لأنه ينشر على ممدوحه كلمات ذات رائحة طيبة ونفحات متفوحة، وليست في مسطاع كل الرجال أن يتصفوا بوصف السخاء والكرم والتوقير.

وكما قلت: إن شوقي لم يقتصر الإشادة برجال الزمن الواحد بل وشمله لكل الأزمنة بين المتقدمة والمتأخرة، فكذا لم ينحصر مدحه بعظماء الذكور فقط بل ونشر رائحة منشّرة الألفاظ على أناث أيضاً وجعل حظاً لمن كانت لشاعرنا علاقة بها، كما نحن نراه في رثائه لأم الخديوي عباس حلمي الثاني حينما توفيت سنة 1931م، مع انفكاك العلاقات بين عباس وبين شاعرنا الأمير في ختام حياته، لأن الشاعر لم يحظ حظاً وافراً لدى الخديوي المذكور بعد رجوعه من المنفى سنة 1919م كاستقراره على المنازل العالية لدى الخديويين غيره. وعلى كل حال جاءت هذه الرثاء في والدة السلطان عباس بألفاظٍ تنزل من السامع أعماق قلبه وهو يتيقن بفضائلها الممتازة الرصينة ثم تضطره على البكاء الهامع لفوات ذاتِ سنىً وسناءَ، كما هو يقول:

           خرجت من قصركِ الباكي إلى                رملة الثغر، إلى القصر الحـزين

           أخـذتْ بين اليتامى مـذهباً                    ومشـت في عبرات البائـسين

           ورمتْ طرفاً إلى البحر تـرى                    من وراء الدمع أسراب السفين(31)

ثم يزيد في ذكر المحاسن فيقول:

           يدُهـا بانـية غـارسـةٌ                             كيد الشمس وإن غاب الجبين

ثم يقول:

           اخْلعي الألقاب إلا لقـباً                       عبقـريا، هـو (أم المحسنين)

ثم يطيل فيها القول فينشد:

           اليتـامى نوّح ناحــية                            والمساكين يمــدّون الـرنين

           أم عباس، وما لي لم أقـل:                     أم مصرٍ من بـنات وبـنيـن ؟(32)

إننا لاحظنا أن الإحسان كان هو كلَّ شيء في عيني شوقي، ولذا هو يقول لممدوحته بزوال كل الألقاب عنها إلا الإحسان، كيف ولابد أن يكون هكذا، لأن الإحسان يقطع اللسان، ولسان شوقي لو إن قُطع لكن اقتصر في الإشادة بمحسنيه بألفاظ ناعمة رشيقة. وهناك دليل آخر عليه أن غاندي الرائد الهندي(33) لما مرّ بمصر عند ما كان على وشك الذهاب لمؤتمر المائدة المستديرة بلندن سنة 1931م، فتغنى شوقي بأمجاده ومساعيه حول تحرّر الأمة الهندوكية. فهناك ترتفع الأسئلة حول اعتناء الشاعر بمساعي الرجل الهندوكي الذي يكافح لإنجاز أمته وحول إهمال رجل عظيم من قومه يدافع عن الشعب المسلم وهو مصطفى كامل باشا وكذا لا فرق بين اسمي مصطفى كامل باشا ومصطفى باشا فهمي، ومع هذا أهمل الشاعرُ الأول وتغنى بأمجاد الثاني، كما أسلفت القول فيه ولا ننظر أي سبب لإهماله له إلا خوفه من سخط القصر عليه لو كان يعتنى به، لأن المصطفى كان يرغب عن القصر، وأصحاب البرج العاجي كانوا لا يحبون تمايله عنهم.

           ونفس الشكوى يشكوه محمود حامد شوكت حين يتحدث عن أثر البيئات المختلفة في مسرحيات شوقي، فهو يقول:

           "ومن البديهي أن تظهر في مسرح شوقي الذي انعكست فيه آثار تركية بمحاولته الدفاع المستمر عن الملوك وتبرير أعمالهم وإحاطتهم بهالة من الجلال والعظمة والمدح... ولا تظهر مصريته واضحة جلية بشكل فعال إذ شغل عن ذلك بالدفاع عن الملوك، ولم يستطع لتصوير الشخصية المصرية أو حياة الشعب، أو تصوير آماله وآلامه".(34)

أما منهج شوقي في المدح والرثاء كليهما فهو منهج يقلّ فيه أناس يجيدونهما حينما يريدون المرانة في هذين الفنين الشِعريين، مع تخلّف فكري في الفنين. وأقول: فن الرثاء جزء من فن المديح لكن المراثي تقتضي كلمات رقيقة سيعبر بها شاعرٌ عن فضائل الممدوح التي استخرجها في المديح. ثم مسلك شاعرنا الأمير في انتقاء الكلمات المستخدمة لإرضاء المحسنين الممدوحين تختلف كل الاختلاف عن كلماته المستخدمة لإرضاء الشعب المصري كما قلته آنفاً.

ثم تتقاطر معظم ديوانه: الشوقيات بمدائح السلاطين ومراثي الأمراء وإشادة الوزراء، لا معنى هذا أن الشاعر لم يجعل في شعره سهماً لفقراء الأمة أو لأصحاب التراب قط، بل يتبين من الموازنة بين كلا النوعين؛ مدائح الأمراء ومدائح الفقراء فرق واضح، أنه ما أشاد أحمد شوقي ولا رثى جماعة البرجوازيين أو العمال العامّة بكلمات مدح بها جماعة أصحاب الثروة أو رثاهم بها. ولذا بحق قال النقاد إن أحمد شوقي كان شاعر الأمراء يُرضيهم ويدافع عنهم ويناضل لهم ويحسّ بما يشعره أصحاب القصر، وما زال شعره يتردّد في صور متنوعة بين الرثاء والتهنئة والإهداء والمديح والفخر يمدح به كبراءه منذ نعومة أظافيره حتى توفي. وهؤلاء الملوك هم الذين استجعلوا تاج إمرة الشعر على مفرق رأسه، وهكذا تصيّر شوقي أمير القوافي والبيان.

الهوامش:

1: حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد: الصحابي، شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام. عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها في الإسلام. واشتهرت مدائحه في الغسانيين وملوك الحيرة قبل الإسلام. توفي سنة 56هـ. [الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ص104؛ الاصابة في معرفة الصحابة، العسقلاني، ج1، ص326].

2: زياد بن معاوية بن ضباب الذبيانيّ الغطفانيّ المضري، أبو أمامة: شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. من اهل الحجاز. كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها. توفي نحو 18 ق هـ. [انظر للتفصيل: الأغاني، الأصفهاني، ج11، ص3؛ الشعر والشعراء، ص38].

3: المصدر نفسه، ج1، ص157، 296.

4: غياث بن غوث التغلبي،  اشتهر في عهد بني أمية بالشام، وأكثر من مدح ملوكهم. وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل عصرهم: جرير، والفرزدق، والأخطل. توفي الأخطل سنة 90هـ. [ الأغاني، ج8، ص280، الشعر والشعراء، ص 189].

5: عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم. نشأ في المدينة، فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا. توفي سنة 76هـ. [ تاريخ الطبري، ج8، ص56؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج4، ص198].

6: أنظر: الشعر والشعراء، ج1، ص473؛ التعازي، أبو العباس المبرد، ص134؛ المصون في الأدب، الحسن العسكري، ص 63؛ الصناعتين، أبو هلال العسكري، ص208.

7: أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي: ولد بالكوفة ونشأ بالشام. أحد فرسان الشعر العربي، شاعر حكيم. مدح كثيرا من الأمراء، مثل سيف الدولة وعضد الدولة والإخشيدي. توفي سنة 354هـ.

[المنتظم، ابن الجوزي، ج7، ص24؛ وفيات الأعيان، ابن خلّكان، ج1، ص36].

8: علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الربعي، أبو الحسن، سيف الدولة: الأمير، صاحب المتنبي وممدوحه. يقال: لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ العلم ونجوم الدهر. توفي سنة 356هـ. [انظر للتفصيل: يتيمة الدهر، الثعالبي، ج1، ص8-22؛ وفيات الأعيان، ج1، ص364].

9: شرح ديوان المتنبي، ابن العكبري، ج1، ص2.

10: كتب أبو سعد الحميدي في سرقاته الشعرية كتاباً كاملاً باسم:الإبانة عن سرقات المتنبي لفظا ومعنى، والحاتمي: الرسالة الموضحة في سرقات أبي الطيب وساقط شعره.

11: نابليون (1769م -1821م): ولد بفرنسا، وساس قومه وهو كان شاباّ. له دور هام في ثورة فرنسا المديدة في ما بين 1804م – 1814م. وله أيضاً سهم بارز في المعارك مع أوربا.

12: هو: عميد الدولة المحتلة على مصر. كان يخطب كل سنة تقريراً طويلاً يدّعي بمصالح القوم في مصر ما يكذبه الواقع.  [الشوقيات، ج1، ص237، و289].

13: المصدر نفسه، ج1، ص235، 236.

14: مصطفى باشا فهمي: كان وزيراً في عهد توفيق، فرئيساً للوزاء، ثم استقال، ثم عاد للرئاسة ولم يتركها إلا لمرضه قبيل الحرب العالمية الأولى. وقد توفي أول سنة 1914م. [الشوقيات، ج3، ص583].

15: المصدر نفسه، ج3، ص384.

16: مصطفى كامل باشا ابن علي محمد: ولد سنة 1884م. نابغة مصر في عصره، وأحد مؤسسي نهضتها الوطنية. وكان فصيحا، ساحر البيان، انصرف إلى مقاومة الاحتلال الإنجليزي بخطبه ومقالاته وكتبه. توفي سنة 1908م بالقاهرة. [الأعلام، ج7، ص238].

17: المصدر نفسه، ج1، ص528.

18: أنظر: شوقي؛ شاعر العصر الحديث، ص22، 23.

19: المصدر السابق، ج3، ص814.

20: المصدر نفسه، ج3، ص681، 682.

21: طرس باشا ابن غالي نيروز: ولد سنة 1846م. وزير مصري. من الأقباط الأرثوذكس. له ذكر في تاريخ مصر الحديث. ولد بالميمون (من قرى بني سويف) وتعلم بمصر وأوربا. وحذق بضع لغات. وتقلب في المناصب؛ ولي نظارة المالية فالخارجية فرئاسة مجلس النظار. توفي سنة 1910م. [الأعلام، الزركلي، ج2، ص59].

22: المصدر السابق، ج3، ص745.

23: الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين ابن عون، من أحفاد أبي نميّ ابن بركات، الحسني الهاشمي: ولد سنة 1854م. هو أول من قام في الحجاز باستقلال العرب عن الترك. تولى حكم الجزيرة العربية سنة 1916م. وافته منيته 1931م، فدفن في المسجد الأقصى. [انظر للتفصيل: الأعلام، الزركلي، ج2، ص249، 250].

24: الشوقيات، ج3، ص752.

25: نفس المصدر والصفحة.

26: الجنى: الثمار؛ الكماكم، جمع كمٌ، وهو محل ما تنبت تلك الأثمار.

27: القشاعم: جمع القشعم، وهو النسر، شبّه الشاعر الطيارين بالنسور التي تمزّق ميتة وتقسمها في ما بينها، فكذا كان المسيطرون يرون العرب كالميتة التي تُمزّق ولا يكون هناك من يردّ عليهم هذا الأمر.

28: الشوقيات، ج3، ص752.

29: يوسف بن أيوب بن شاذي، أبوالمظفر، صلاح الدين الأيوبي، الملقب بالملك الناصر ولد سنة 532هـ. من أشهر ملوك الإسلام. كان أبوه وأهله من قرية دوين في شرقي أذربيجان، دخل مع  أبيه نجم الدين وعمه شيركوه في خدمة نورالدين زنكي صاحب دمشق وحلب والموصل، فاستولى على زمام الأمور بمصر، واستوزره خليفتها العاضد الفاطمي. ولم يدخر لنفسه مالا ولا عقارا. وكانت مدة حكمه بمصر 24 سنة، وبسورية 19 سنة. توفي سنة 589 هـ [وفيات الأعيان، ج2، ص376؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج12، ص37؛ شذرات الذهب، ج4، ص298؛ تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون، مكتبة التاريخ، اللاهور، ط2، 2002م، ج4، 79، ج5، 250- 330؛ الأعلام، ج8، ص220].

30: الشوقيات، ج3، ص823.

31: المصدر نفسه، ج3، ص765.

32: المصدر نفسه، ج3، ص، 766.

33: هنداس كارام شاند غاندي: السياسي البارز والزعيم الروحي للهند خلال حركة استقلالها. وُلد عام ١٨٦٩م. اشتُهر غاندي بتزعمه المقاومة السلمية للاستبداد من خلال العصيان المدني الشامل. قاد غاندي الهند إلى الاستقلال. قتل على يد أحد الهندوس سنة 1948م لما استشعر من تعاطف غاندي تجاه المسلمين.

انظر:[http://www.hindawi.org/kalimat/4/]

34: المسرحية في شعر شوقي، محمود حامد شوكت، ص30.


المصادر والمراجع:

1: الإصابة في معرفة الصحابة، ابن حجر العسقلاني، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط1، 1992م.

2: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، ط15، 2002م.

3: الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، ت: سمير جابر، دارالفكر، بيروت، لبنان، ط2، لات.

4: التعازي، المبرد، ت: إبراهيم محمد حسن الجمل، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، لاط، لات.

5: الشعر والشعراء، ابن قتيبة، دارالحديث، القاهرة، لاط، 2003م.

6: الشوقيات، أحمد شوقي، كلمات عربية للنشر والتوزيع، مصر، لاط، 2011م.

7: الصناعتين: الكتابة والشعر، أبو هلال العسكري، المكتبة العنصرية، بيروت، لبنان، لاط، 1999م.

8: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ت: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1997م.

9: المصون في الأدب، أبو أحمد العسكري، ت: عبد السلام هارون، مطبعة حكومة الكويت، ط2، 1984م.

10: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ابن الجوزي، ت: محمد عطا و مصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1992م.

11: تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون، ت: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط2، 1988م.

12: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي الحنبلي، ت: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، بيروت، لبنان، ط1، 1986م.

13: شرح ديوان المتنبي، العكبري، ت: مصطفى السقا/إبراهيم الأبياري/عبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، لاط، لات.

14: شوقي شاعر العصر الحديث، د. شوقي ضيف، دارالمعارف، مصر، ط3، 1957م.

15: وفيات الأعيان، ابن خلّكان، ت: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، ط3، 1998م.

16: يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، الثعالبي، ت: د. محمد مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1983م.

http://www.hindawi.org/kalimat/4