السياق القرآني, أهميته, ومدى مراعاته عند الشرح والتفسير

Warning: Page language "ur" overrides earlier page language "".

کتابیات
مجلہ برجس
عنوان السياق القرآني, أهميته, ومدى مراعاته عند الشرح والتفسير
انگریزی عنوان
The Qurānic Context & its Consideration in Interpretation and Exegesis
مصنف عزیز، اظہار الحق
جلد 4
شمارہ 1
سال 2017
صفحات 92-111
مکمل مقالہ Crystal Clear mimetype pdf.png
یو آر آیل
شکاگو 16 عزیز، اظہار الحق۔ "السياق القرآني, أهميته, ومدى مراعاته عند الشرح والتفسير۔" برجس 4, شمارہ۔ 1 (2017)۔

Abstract

The research deals with the exegesis of the meanings of the Holy Qurānic. It sheds light on the Qurānic context and to what extent it has been taken care of in the modern dictionaries compiled for the meanings of the difficult words of the Holy Qurānic. Cocntext is one of the most prominent phenomenon for help in determining the meanings of the Qurānic words and its exegesis. The research defined context, both as a lexical and technical word. It described its importance in the Holy Qurānic. It then differentiated between context and Nazm (order) which is discussed by both exegete and scholars of rhetoric. It was followed by Qurānic context, its features and importance. It then brought examples from some selected dictionaries which gave importance to the Qurānic context while explaining the meaning of the difficult words. The research concluded that there is great role of Qurānic context in explanation of the words. It is a phenomenon which has been taken care of right from the Holy Prophet and his companions up to the exegete of modern world.

ملخص البحث

عرض البحث لقضية تفسير معاني القرآن الكريم، وسلّط الضوء على السياق القرآني ومدى مراعاته في معاجم تفسير ألفاظ القرآن في العصر الحديث؛ كونه من أبرز القرائن المعينة على فهم المعنى لألفاظ القرآن وتفسيرها تفسيراً صحيحاً يكشف عن المراد منه.

السياق والنظم الذي يتحدث عنه المفسرون والبلاغيون, فالنظم شيء, والسياق شيء آخر, ثم انتقل إلى مفهوم السياق القرآني وسماته وأهميته, ثم أورد بعض الأمثلة التطبيقية للسياق القرآني عن المعاجم المختارة ومدى مراعاتها السياق القرآني عند الشرح والتفسير, وخلص البحث بأن للسياق القرآني أهمية بالغة في الشرح والتفسير للألفاظ القرآنية, فهو أصل أصيل من أصول هذا العلم, وقد عُني به كثير من المفسرين، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته, من لدن الرسول r والصحابة والتابعين إلى عصرنا الحاضر.

وبإهماله يضع المفسر قدمه على عتبات الزلل, ويركب مراكب الخلل, وتُوسّم آراؤه بالعلل, فيعظم الخَطْب, ويُصبح جَلَلاً.

حمدًا لك يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك, والصلاة والسلام على عبدك ورسولك محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي؛ وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار, ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.أما بعد:

فلما نزل القرآن الكريم أقبل عليه المسلمون بشغف، يتدبرون آياته، ويتفهمون معانيه التي تحتويها ألفاظه، فحفظوه عن ظهر قلب، وجمعوه في مصحف، وكتبوا في تفسيره وإعجازه وبلاغته ومعاني ألفاظه الكثير.

وإن خير ما بُذِلَتْ فيه الأوقات والجهود, تدبّرُ الكتاب العزيز, الذي أنزله الله موعظةً, وشفاءً لما في الصدور, وهدًى, ورحمةً للمؤمنين.

ولا سبيلَ للاتّعاظ والاستشفاء والاهتداء بالقرآن إلا بمعرفة مراده, وذلك بتفسير ألفاظه, وفهم تراكيبه, ومن ثَمَّ يصل السائرون إلى الله لثمرة هذا الكتاب المنزّل, وهي التّدبّر الدَّاعي إلى العمل, {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29], لأن حقيقة التدبر هي إمعان النظر والتفكر لألفاظ القرآن في سياق الآية أو الآيات والربط بينها للوصول إلى معرفة المراد منها, وبالتالي ينتج العمل بها.

وقد سلك العلماء طرقًا عدة في تفسير ألفاظ القرآن الكريم, أحسنها تفسير القرآن بالقرآن, فلا أحدَ أعلم بمراد الله من الله U, فما أُجمل في موضعٍ فُصِّل في موضع آخر, وما اختُصر في سورةٍ بُسط في أخرى, وقد اهتم به كثير من المفسرين في كتبهم عند الشرح والتفسير لألفاظ القرآن الكريم، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته, من لدن الرسول r والصحابة والتابعين إلى عصرنا الحديث, وهذا هو موضوع البحث الذي يتعلق بمدى مراعاة السياق القرآني - عند الشرح والتفسير - في معاجم تفسير ألفاظ القرآن الكريم في العصر الحديث.

قبل الخوض في صلب الموضوع, من الأهمية بمكان تسليط الضوء على مفهوم السياق.

السياق لغة:

قال الأزهري (ت: 370هـ): «تَسَاوَقَتِ الإبلُ تَسَاوُقاً: إذا تتابعتْ ، وكذلك تَقَاوَدَت فهي مُتَقاوِدة ومتساوِقةٌ»([1]).

وقال الجوهري (المتوفى: 393هـ): «يقال: وَلَدَتْ فلانةُ ثَلَاثَة بَنِينَ على سَاق واحدٍ، أَي: بعضُهم على إِثْر بعض، لَيْسَت بينهم جَارِيَة ... والسِياقُ: نَزْعُ الروحِ. يقال: رأيت فلاناً يَسوقُ، أي يَنْزِعُ عند الموت»([2]).

وقال ابن فارس (ت: 395هـ): «السِّينُ وَالْوَاوُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَدْوُ الشَّيْءِ. يُقَالُ سَاقَهُ يَسُوقُهُ سَوْقًا ... وَيُقَالُ سُقْتُ إِلَى امْرَأَتِي صَدَاقَهَا، وَأَسَقْتُهُ. وَالسُّوقُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ هَذَا، لِمَا يُسَاقُ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَسْوَاقٌ. وَالسَّاقُ لِلْإِنْسَانُ وَغَيْرُهُ، وَالْجَمْعُ سُوقٌ، إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَنْسَاقُ عَلَيْهَا»([3]).

وقال الزمخشري (ت: 538هـ): «من المَجازِ:... هُوَ يَسُوقُ الحَدِيثَ أَحْسَن سِياقٍ، وإِليكَ يُساقُ الحَدِيثُ، وَهذا الكَلَام مَساقُهُ إِلى كَذَا، وجِئْتُك بالحَدِيث على سَوْقهِ، على سَرْدِه»([4]).

وقال ابن منظور (ت: 711هـ): «وَقَدِ انْساقَت وتَساوَقَت الإِبلُ تَساوُقاً إِذَا تَتَابَعَتْ، وَكَذَلِكَ تقاوَدَت فهي مُتَقاوِدة ومُتَساوِقة .... والمُساوَقة: المُتابعة كَأَنَّ بعضَها يَسُوقُ بَعْضًا .... والسِّياق: الْمَهْرُ..... قِيلَ لِلْمَهْرِ سَوْق لأَن الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا تَزَوَّجُوا سَاقُوا الإِبل وَالْغَنَمَ مَهْرًا لأَنها كَانَتِ الغالبَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ... والسُّوق: مَوْضِعُ الْبِيَاعَاتِ... السُّوق سُمِّيَتْ بِهَا؛ لأَن التِّجَارَةَ تُجْلَبُ إِلَيْهَا وتُساق المَبيعات نحوَها ... يُقَالُ وَلَدَتْ فلانةُ ثلاثةَ بَنِينَ عَلَى ساقٍ وَاحِدَةٍ أَيْ بَعْضُهُمْ عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ لَيْسَ بَيْنَهُمْ جَارِيَةٌ؛ ووُلِدَ لِفُلَانٍ ثلاثةُ أَوْلَادٍ سَاقًا عَلَى ساقٍ أَيْ وَاحِدٌ فِي إِثْرِ وَاحِدٍ، وولَدَتْ ثَلَاثَةً عَلَى ساقٍ وَاحِدَةٍ أَيْ بعضُهم فِي إِثْرِ بَعْضٍ لَيْسَتْ بَيْنَهُمْ جَارِيَةٌ»([5]).

فمن مجموع النصوص اللغوية المتقدمة نستطيع أن نقول: إن السياق يدل على انتظام متوالٍ في الحركة لبلوغ غاية محددة, فالتتابع فيما بين الأشياء هو التساوق, ولا يكون متتابعا إلا إذا كان له غاية لا بد من وصولها, فمنه سَوق المبيعات نحو السوق, إذ ما سيقت إلا لغاية بيعها, وما سيق الصداق إلا لغاية إيصاله للمرأة, فكلمة ساق تثير في الذهن معنى لحوق شيء لشيء آخر, واتصاله به, واقتفائه أثرَه, كما تثير معنى الارتباط والتسلسل والانتظام في سلك واحد.

فالسياق إذن في اللغة: يدل على تتابع منتظم في الحركة توصلاً إلى غاية محددة, دون أن يكون هناك انقطاع أو انفصال, هذا ما تُفهمه مجموع النصوص اللغوية الواردة على هذا الجذر.

والسياق اصطلاحاً:

بعد البحث في كتب التفسير المتقدمة, وأصول التفسير, وعلوم القرآن, وفي تلك الكتب التي يُظن فيها وجود مفهوم للسياق ككتب البلاغة القرآنية, لا تجد من نَصّ على تعريفه اصطلاحاً, أو من تحدث عن مفهوم السياق من حيث بيانه, وجميع ما فيها هو حديث عن أهمية السياق وبعض آثاره كترجيح المعاني بعضها على بعض, أو عن أسرار ورود بعض الألفاظ والتراكيب في سياقات معينة دون أخرى.

ولعل سبب عدم تعريف المتقدمين للسياق اصطلاحا - حسب وجهة النظر - هو: أن توضيح الواضحات من أعضل المشكلات, فعند توضيح الواضح يزاد الغموض, فكلمة السياق أصلها كما ذكر ابن فارس(ت: 395هـ): «حَدْوُ الشَّيْءِ»([6]), فهي تدور على معنى التتابع والانتظام والاتصال, فعندما تُضاف هذه الكلمة إلى "الكلام", يكون المعنى تتابع الكلام وانتظامه واتصاله لأداء المعنى المراد, وهذا واضح عندهم لا يحتاج إلى توضيح.

أو لعل السبب يرجع إلى الاكتفاء بأهميته وبعض آثاره من غير تعقيد أو تنظير للمصطلح, وهكذا شأن البدايات, إذ تكون غير واضحة المعالم, والله أعلم.

وقد عرفه أحد المعاصرين بقوله: السياق هو: «الأجزاء التي تسبق النص, أو تليه مباشرةً, ويتحدد من خلالها المعنى المقصود»([7]).

وعرّفه أحد الباحثين, بقوله: «السياق هو: تتابع المفردات والجمل والتراكيب المترابطة لأداء المعنى»([8]).

فبهذا يكون مفهوم السياق هو: بيان المعنى المقصود من خلال تتابع المفردات والجمل والتراكيب الكلامية المترابطة.

فيبنى على السياق وضوح دلالة الألفاظ وتحديد معناها؛ لأن فيه قرائن تعين على ذلك، ولارتباطه بمقام معين يحدد في ضوء القرائن الحالية([9]).

أهمية السياق في القرآن:

ولما كان النص القرآني نصاً محكماً، وكان نظمه الخاص به من أبرز وجوه الإعجاز عند القدماء فقد تنبه علماؤنا القدماء على أهمية السياق فيه ؛ للكشف عن أسراره ونكته، لذا قال الزركشي (ت: 794 هـ ) : «إِنَّ دَلَالَةَ السِّيَاقِ تُرْشِدُ إِلَى تَبْيِينِ الْمُجْمَلِ, وَالْقَطْعِ بِعَدَمِ احْتِمَالِ غَيْرِ الْمُرَادِ, وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ, وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ, وَتَنَوُّعِ الدَّلَالَةِ, وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ, فَمَنْ أَهْمَلَهُ غَلِطَ فِي نَظِيرِهِ وَغَالَطَ فِي مُنَاظَرَاتِهِ, وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] كَيْفَ تَجِدُ سِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الذَّلِيلُ الْحَقِيرُ»([10]).

ويُبَيِّن الإمام ابن القيم (ت: 751هـ) أهمية السياق, ومَآلَ من أهملها, بقوله: «السياق يرشد إلى تبيين المجمل, وتعيين المحتمل, والقطع بعدم احتمال غير المراد, وتخصيص العام, وتقييد المطلق, وتنوع الدلالة, وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم, فمن أهمله غلط في نظره, وغالط في مناظرته»([11]).

الفرق بين السياق والنظم:

والسياق هو غير النظم الذي يتحدث عنه المفسرون والبلاغيون, فالنظم شيء, والسياق شيء آخر, وللتفريق بينهما نقف على ما سطره الخطابي (ت: 388هـ) في بيان النظم, أثناء حديثه عن أركان الكلام, إذ قال: «لفظ حامل, ومعنى به قائم, ورباط لهما ناظم»([12]), فالذي يربط المعنى باللفظ, ويجعل اللفظ في تناسب وتناسق مع المعنى هو النظم.

وقد صرح بأن القرآن إنما صار معجزا بهذه الأركان الثلاثة, فقال: «واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا؛ لأَنه جاءَ بأَفصح الألفاظ, في أحسن نظوم التأليف, مضمنًا أصح المعاني»([13]).

فالنظم عند الخطابي (ت: 388هـ): هو الذي يكشف عن حسن ارتباط المعاني بألفاظها, وهو ما يكثر الحديث عنه في بيان الوجوه البيانية؛ كاختلاف المعاني للألفاظ التي تنعت بالمترادفة, والتقديم والتأخير, والحذف والذكر, والتعريف والتنكير, فإذا أطلق النظم قصد به أوجه الإختلاف هذه, وما ينشأ عنها من نكت بيانية.

أما السياق فإنه يختلف عن النظم بهذا الاعتبار, إذ إنه يبحث في الدلالات المعنوية الآتية في مساق واحد, ومدى انسجامها فيما بينها, بحيث تشكل قطعة موضوعية من الحقائق العقدية, أو التشريعية, أو الآفاقية والكونية, بما يحقق للإنسان درب الهداية والفلاح, ومدى ترابط المعاني وتتابعها في طريق واحد؛ لأجل الوصول إلى غاية محددة.

فالسياق يبحث في ترابط المعاني بالمعاني السابقة واللاحقة, والنظم يبحث في ترابط المعاني بألفاظها, وبهذا يظهر الفرق بين المصطلحين, وبعبارة دقيقة موجزة, السياق هو علاقة المعنى بالمعنى, والنظم هو علاقة اللفظ بالمعنى([14]).

والسياق بهذا المفهوم خادم للنظم, إذ إن الأخير قد اختص بإيضاح الوجوه البيانية ومدى تناسب المعاني مع ألفاظها, إذ لا يتضح المعنى ويُبيَّن وجهه حتى يتم استجلاء السياق من حيث دلالته المعنوية بسباقه ولحاقه, ومن ثَم, يتضح الوجه المبحوث عنه من ناحية النظم؛ لأن ذلك أدعى لتلمس الحقيقة والكشف عن وجه حسنها, والله أعلم.

مفهوم السياق القرآني:

كما مر آنفًا أن السياق هو: تتابع المفردات والجمل والتراكيب المترابطة لأداء المعنى.

ففي ضوء هذا التعريف يمكن أن نقول أن السياق القرآني هو: تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة لأداء المعنى, وتكون دلالة السياق القرآني هي: بيان المعنى من خلال تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة.

وهناك تعريف آخر للسياق القرآني أكمل وأشمل وأوضح من السابق, وهو أن المقصود من السياق القرآني هو: «تتابع المعاني وانتظامها في سلك الألفاظ القرآنية, لتبلغ غايتها الموضوعية في بيان المعنى المقصود, دون انقطاع أو انفصال».

«والمقصود من تتابع المعاني: ترابط المعاني الفرعية لخدمة المعنى الأصيل الوارد ذكره في السورة, ودون انقطاع, أي: من غير أن تكتمل المعاني التي تتحدث عنها الآيات, فلا يصح أن تقف الآيات رأسا دون أ ن تكتمل المعاني وتتجسد للرائي, ودون انفصال, أي: دون أن يكون هناك فاصل أجنبي, من غير أن يكون له أي داع, أو ارتباط بموضوع الآيات»([15]).

ونستطيع أن نستأنس لهذا المفهوم بكلمتين للإمام الطبري عند تأويل قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] حيث قال: «إنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى»([16]), وقال أيضا: عند تأويل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله ...} [آل عمران: 73], «وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها؛ لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه»([17]).

فهناك ارتباط معنوي بين آحاد النص القرآني, سواء أكان آية أم سورة, أم مقطعاً من سورة, وهذا الارتباط قد لا يبدو للناظر في الوهلة الأولى, فيظن أن المعاني متفككة الأواصر لا ارتباط بين آحادها, وفي حقيقة الأمر, هي متناسقة على أشد ما يكون عليه الاتساق والارتباط؛ فقد تذكر قصة ثم يتلوها ذكر مواعظ, ثم أوامر ونواه, ثم وعد ووعيد, وهي تدور في فلك موضوع واحد مترابط متناسق, والذي يكشف هذا الأمر ويعين عليه, دراسة المعاني باعتبار اتصالها وارتباطها بما قبلها وما بعدها, والله أعلم.

سمات السياق القرآني:

والسياق القرآني يتسم عن السياقات البشرية بسمات عدة, منها:

  1. ضبط السياق القرآني لفهم المتلقي؛ فالسياق هو صاحب السلطة في تحديد دلالة الألفاظ ومعانيها المقصودة, فهو الضابط لفهم المتلقي, ذلك أن الألفاظ إذا تركت على عواهنها دون عقال, حملت ما يراد وما لا يراد من معان, لذا كان السياق القرآني مُقَيّداً مُحددا للمعاني.
  2. عدم قابلية السياق القرآني للتفكيك أو التجزئ؛ فالقرآن يتسم بالترابط والتشابك بين آياته, فلا انفصال ولا انقطاع, وذلك يعود لترابط المعاني وتتابعها – ولا ريب - ؛ فالقرآن كلام واحد وسياق متواصل من أوله إلى آخره.
  3. مرونة السياق القرآني وحيويته؛ إذ يتمتع باحتمالية عدة معان, ذلك أن دلالاته متنوعة, وهي مظهر إيجابي يدعو إلى إذكاء عقل المجتهد, وعدم قصره على معنى واحد لا غير, وفي الوقت نفسه يضبط بضابط السياق؛ إذ يعطيه مجالا محددا في المعاني والمفاهيم, وهي ما عُرف فيما بعد بعلم التأويل([18]).

أهمية السياق القرآني:

وقد تنبه العلماء قديما إلى أهميته حين أشاروا إلى قاعدة مهمة وهي تفسير القرآن بالقرآن([19]), وهذه القاعدة نجدها في عصرنا الحاضر بما يعرف بالمنهج السياقي الذي جعل للسياق الدور الحاسم في فهم النصوص وتحديد معاني الألفاظ, وضبط دلالاتها, إذ بيّن العلماء المعاصرون أن تحديد معنى الكلمة يرجع إلى علاقتها مع الكلمات الأخرى, وهذا ما نجده لدى فيرث, زعيم المدرسة السياقية الذي صرّح بأن الكلمة لا يتضح معناها إلا من خلال "تسييق الوحدة اللغوية"([20]), بمعنى: وضعها في سياقات مختلفة لتحديد معناها وفق السياقات الواردة فيها.

ويستمد السياق القرآني أهميته من كونه تفسيراً للقرآن الكريم بالقرآن نفسه, حيث إنه: تتابع المعاني وانتظامها في سلك الألفاظ القرآنية, لتبلغ غايتها الموضوعية في بيان المعنى المقصود, دون انقطاع أو انفصال, بل إن سياق الآية وسياق المقطع من أعلى مراتب تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنه في محل واحد.

وهذا الضرب من التفسير – أي تفسير القرآن بالقرآن – أفضل طرق التفسير وأصحها حيث إنه لا أحد أعلم بمعاني الكلام من المتكلم نفسه, فإذا تبين مراده من الكلام نفسه, فإنه لا يعدل عنه إلى غيره.

ويُبَيِّن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ) هذه الأفضلية بقوله: «فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر»([21]).

وتلميذه ابن القيم (ت: 751هـ) يقول «تفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير»([22]).

لكن يلاحظ في تفسير القرآن بالقرآن كون التفسير لا يتنازع فيه اثنان لوضوحه واستبانته، وأوضح أمثلته ما يكون على طريقة السؤال والجواب، أو على طريقة ذكر الموصوف ثم إتباعه بأوصافه. ومن أمثلة طريقة السؤال والجواب قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ - النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 1 ـ 3]. فتفسير الطارق لا محالة هو النجم الثاقب، والخلاف في المراد بالنجم الثاقب لا يُخرجه عن كونه هو الطارق.

ومن أمثلة طريقة ذكر الموصوف وإتباعه بأوصافه قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63]. فتفسير أولياء الله بأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون من تفسير القرآن بالقرآن.

فالسياق القرآني معتبر في الشريعة الإسلامية, وهو ليس وليد هذه الأزمان المتأخرة, وإنما هو مرتبط باللغة العربية ارتباطاً وثيقاً منذ القدم, فلا يفهم الكلام عند العرب إلا ضمن سياقه, والقرآن الكريم نزل بلغة العرب, وقد ثبت عن النبي r مراعاة السياق القرآني في تفسير القرآن الكريم, واعتباره السياق القرآني في التفسير واستخدامه له, يدل على أهميته وأصالته, ومن أمثلة ذلك:

«عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ r قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ r عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61]»»([23]). فالنبي r وضَّح المعنى باستخدام السياق القرآني, واستدل بلحاق الآية على المعنى المراد.

«عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه, قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ, إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ, أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ {... وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]»»([24]).

فسياق الآية يدل على أن المراد من الظلم الشرك, كما بيّنه الرسول r, يقول ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ) : « وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] أَنَّهُ ظُلْمُ النَّفْسِ بِالْمَعَاصِي، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الشِّرْكُ، وَذَكَرَ قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] مَعَ أَنَّ سِيَاقَ اللَّفْظِ عِنْدَ إعْطَائِهِ حَقَّهُ مِنْ التَّأَمُّلِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَإِنَّ االلهَ- سُبْحَانَهُ - لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَظْلِمُوا أَنْفُسَهُمْ، بَلْ قَالَ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] وَلُبْسُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ تَغْطِيَتُهُ لَهُ وَإِحَاطَتُهُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَلَا يُغَطِّي الْإِيمَانَ وَيُحِيطُ بِهِ وَيَلْبَسُهُ إلَّا الْكُفْرُ ... فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَ الشِّرْكُ»([25]).

ومما يدل على أهمية السياق القرآني في التفسير, اعتباره عنده الصحابة y كذلك كأصل من أصول التفسير, وإعمالهم له في تفسير كلام الله تعالى, فهو يستمد أهميته بإعمال الصحابة له من أهمية تفسيرهم, إذ هو الأصل الثالث من أصول التفسير بعد تَطَلُّبِه من القرآن نفسه ثم من السنة النبوية.

يقول ابن تيمية: «وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح»([26]).

ومراعاة الصحابة السياق القرآني في التفسير يدل على وضوحه في أذهانهم y, ومن أمثلة ذلك: «عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَرَأَيْتَ قولَ اللهِ: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141], وَهُمْ يُقَاتِلُونَنَا فَيَظْهَرُونَ وَيَقْتُلُونَ، فَقَالَ: ادْنُهْ ادْنُهْ، ثُمَّ قَالَ: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} يَوْم الْقِيامَةِ" [النساء: 141]»([27]).

فهنا نجد أن هذا السائل حمل هذا الجزء من الآية على إطلاقه, ومن ثَم, استشكل مخالفة ما فهم للواقع, والسبب في ذلك أنه عزل هذا الجزء من الآية عن سياقه, فوقع فيما وقع فيه من الخطأ, فسأل عليًّا t, وقد سأل خبيرًا, فاستدل بسياق الآية, وتحديداً بسباقها, فوضح المعنى في ضوء السياق القرآني.

ومن هنا, أدرك العلماء – منذ القِدم - أهمية السياق القرآني ومراعاته والاعتماد عليه في تفسير كلام الله y, وأقوالهم تزخر في بيان ذلك, منها:

يقول الإمام الشافعي (ت: 204هـ): «فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف مِن معانيها ... وتَبْتَدِئ الشيءَ من كلامها يُبَيِّنُ أوَّلُ لفظها فيه عن آخره, وتَبْتَدِئ الشيء يُبَيِّنُ آخر لفظِها منه عن أوَّلِهِ»([28]).

ويقول أبو بكر الأنباري (ت: 328هـ): «أَنَّ كلامَ العرب يصحِّح بعضُه بعضاً، ويَرتبِط أَوَّلُه بآخره، ولا يُعْرَفُ معنى الخطابِ منه إِلاَّ باستيفائه، واستكمال جميع حروفه»([29]), أي, لا يُعرف معنى الخطاب إلا باستيفاء السياق واستكمال النظر فيه كله.

ويقول العز بن عبد السلام (ت: 660هـ) مبينًا أهمية السياق القرآني في التفسير: «السِّيَاق مرشد إِلَى تبين المجملات, وترجيح المحتملات, وَتَقْرِير الواضحات وكل ذَلِك بعرف الِاسْتِعْمَال, فَكل صفة وَقعت فِي سِيَاق الْمَدْح كَانَت مدحًا, وكل صفةٍ وَقعت فِي سِيَاق الذَّم كَانَت ذمًا, فَمَا كَانَ مدحًا بِالْوَضْعِ, فَوَقع فِي سِيَاق الذَّم صَار ذمًا, واستهزاءً, وتهكمًا, بعرف الِاسْتِعْمَال, مِثَاله {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] أَي, الذَّلِيل المهان؛ لوُقُوع ذَلِك فِي سِيَاق الذَّم.

وَكَذَلِكَ قَول قوم شُعَيْب {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] أَي, السَّفِيه الْجَاهِل لوُقُوعه فِي سِيَاق الْإِنْكَار عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا} [الأحزاب: 67] لوُقُوعه فِي سِيَاق ذمهم بإضلال الأتباع.

وَأما مَا يصلح للأمرين فَيدل على المُرَاد بِهِ السِّيَاق كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم} [القلم: 4] أَرَادَ بِهِ عَظِيما فِي حسنه وشرفه لوُقُوع ذَلِك فِي سِيَاق الْمَدْح وَقَوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} [الإسراء: 40] أَرَادَ بِهِ عَظِيما فِي قبحه لوُقُوع ذَلِك فِي سِيَاق الذَّم...»([30]).

ويقول ابن تيمية (ت: 728هـ) في بيان كيفية الكشف عن حقيقة المعنى: «فَتَأَمُّلُ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا يُطْلِعُك عَلَى حَقِيقَةِ الْمَعْنَى»([31]), وهو السياق بشقيه: السباق واللحاق.

ويؤكد شيخ الإسلام هذا الكلام ويُبيِّن أن منشأ الغلط في التفسير هو إهمال السياق القرآني, بقوله: «فَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ, وَتَدَبَّرَ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا, وَعَرَفَ مَقْصُودَ الْقُرْآنِ: تَبَيَّنَ لَهُ الْمُرَادُ, وَعَرَفَ الْهُدَى وَالرِّسَالَةَ, وَعَرَفَ السَّدَادَ مِنْ الِانْحِرَافِ وَالِاعْوِجَاجِ.

وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِمُجَرَّدِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الْمُجَرَّدُ عَنْ سَائِرِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ, فَهَذَا مَنْشَأُ الْغَلَطِ مِنْ الغالطين؛ لَا سِيَّمَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِالِاحْتِمَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ»([32]).

كل هذه الأقوال تدل على أن العلماء اهتموا بالسياق القرآني, واتخذوه كمنهج مأمون في تفسير كلام الله عز وجل, لأن له الأثر الأكبر والقيمة العظمى في تحديد المعاني وفهم الكلام, وأنه ينقل المعنى من الظهور إلى النصية, وأن من يهمله في التفسير يكون الخطأ والغلط حليفه, ويجانب الصواب على الدوام, والله أعلم.

مراعاة السياق القرآني في المعاجم المختارة عند الشرح والتفسير([33]):

وإذا قرأنا في المعاجم المختارة, نجد بعضها قد راعى السياق القرآني في تفسير بعض الكلمات القرآنية, مثل: كلمة: "الطارق", والتي معناها في السياق القرآني "النجم الثاقب" كما في قوله: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ - النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 1 ـ 3].

في كلمات القرآن تفسير وبيان للشيخ حسنين مخلوف.

{وَالطَّارِقِ} [الطارق: 1] (قسمٌ) بالنَّجم الثَّاقِب يَطلُعُ ليلاً([34]).

و في معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

الطَّارِقِ: النَّجم الثَّاقِب {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ - النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 1 ـ 3]([35]).

و في المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته للدكتور أحمد مختار عمر.

الطَّارِق: النجم المضيء {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق: 1]([36]).

نرى أن المؤلف أتى بمعنى: "النجم الثاقب" هو النجم المضيء – وهو أحد الأقوال في المراد بالنجم الثاقب – وليس هذا المعنى لـ "الطّارِق", ومعناه لا محالة هو النجم الثاقب، قال ابن عاشور (ت: 1393هـ): «النَّجْمُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هُوَ، أَي: الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ»([37]).

وفي المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن الكريم للدكتور محمد التونجي.

الطَّارِق: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} [الطارق: 1 ـ 2].

الطَّارِق: هو نجم زُحل, الكوكب الذي في السماء السابعة. وقيل: هو الثريا. أو هو الجَدْي. وقيل: هو النجم الذي يقال له: كوكب الصبح. وقيل: هو النجم الآتي ليلا. سمي النجم طارقًا لأنه يُرى ليلا, وتطلق على القادم ليلا من كان, لأنه يحتاج إلى طرق الباب قبل الدخول, ولذلك قالوا: كلُّ من أتاك فقد طرقك([38]).

يلاحظ هنا أن المؤلف لم يشرح معنى كلمة "الطَّارق" بل أورد أقوال العلماء بالمراد من "النجم الثاقب" وهو معنى "الطارق". ثم شرح كلمة "الطّارق" لغويّا.

و كلمة: "ظُلْم" معناها: "شِرْك" وذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82], بدليل رواية ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه, حيث قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ, إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ, أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ {... وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]»»([39]).

في كلمات القرآن تفسير وبيان للشيخ حسنين مخلوف.

{بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] بِشِركٍ, بكُفْرٍ([40]).

و في معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

ظُلْم: شِرْك {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} [الأنعام: 82]([41]).

و المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته للدكتور أحمد مختار لم يتناول هذا المعنى – الشرك - أصلًا لكلمة "ظلم", وحتى لم يمثل لها بهذه الآية كذلك, وشرحها بغير معنى "شرك", حيث قال:

ظُلْمٌ: جَورٌ وبُعد عن العدل {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} [النساء: 30], ويستعار لنقض الميثاق والكفر بآيات الله {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} [النساء: 160]([42]).

وفي المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن الكريم للدكتور محمد التونجي.

ظُلْم: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82].

بِظُلْمٍ: بِشِركٍ, أو بكفرٍ. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ثم أورد المؤلف حديث عبد الله بن مسعود t السابق ذكره([43]).

وكلمة: "الدِّين" في قوله تعالى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. معناها: الجزاء.

قال الشنقيطي (ت: 1393هـ) : «لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنَا، وَبَيَّنَهُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} [الانفطار: 17 - 19].

وَالْمُرَادُ بِالدِّينِ فِي الْآيَةِ الْجَزَاءُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25] أَيْ: جَزَاءُ أَعْمَالِهِمْ بِالْعَدْلِ»([44]).

في كلمات القرآن تفسير وبيان للشيخ حسنين مخلوف.

{يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] يومِ الجزاءِ, أو الحسابِ([45]).

و في معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

الدِّين: الجزاء {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]([46]).

والمعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته للدكتور أحمد مختار لم يشرح كلمة: "الدين" بالجزاء أصلًا, بل شرحها بالحساب ومثل لها بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المطففين: 11]([47]).

نرى أنه ذكر في المجال الدلالي دلالة الجزاء مع دلالة الحساب, فهذا معناه أن الدِّين معناه الجزاء في الآية المذكورة.

وفي المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن الكريم للدكتور محمد التونجي.

الدِّين: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. الدِّين: الجزاء, أي مالك يوم الجزاء([48]).

الخاتمة:

يمكن أن نقرر على هدى مما سبق عرضه:

إن السياق القرآني معتبر في الشريعة الإسلامية, وهو ليس وليد هذه الأزمان المتأخرة, وإنما هو مرتبط باللغة العربية ارتباطاً وثيقاً منذ القدم, وقد عُني كثير من المفسرين بالسياق، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته, من لدن الرسول r والصحابة والتابعين إلى عصرنا الحاضر.

وأن فهم النص القرآني دوَّار مع السياق، وأن له فيه قسطاً من التحكم، وأن له أثرا أكبر وقيمة عظمى في تحديد المعاني وفهم الكلام, وأنه ينقل المعنى من الظهور إلى النصية, وأن من يهمله في التفسير يكون الخطأ والغلط حليفه, ويجانب الصواب على الدوام.

ويلاحظ في الأمثلة التطبيقية من المعاجم المختارة أنها اهتمت بالسياق القرآني - بالدرجة الأولى – عند الشرح والتفسير, إلا المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته للدكتور أحمد مختار فإنه يغلب عليه الجانب اللغوي, كما هو واضح من شروحه وتفسيراته لألفاظ القرآن الكريم.


حوالہ جات

  1. () تهذيب اللغة, 9/185.
  2. () الصحاح, 4/1499-1500, مادة: سوق.
  3. () معجم مقاييس اللغة, 3/117.
  4. () أساس البلاغة لأبي القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله, تحقيق: محمد باسل عيون السود, دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان, الطبعة: الأولى، (1419هـ - 1998 م). , 1/484, مادة: س و ق.
  5. () لسان العرب, 10/166-169. مادة: س و ق.
  6. () معجم مقاييس اللغة, 3/117.
  7. () معجم المصطلحات اللغوية والأدبية، ص: 83.
  8. () السياق القرآني وأثره في التفسير دراسة نظرية وتطبيقية من خلال تفسير ابن كثير, ص: 71.
  9. () انظر: اللغة العربية معناها ومبناها، ص: 320.
  10. () البرهان في علوم القرآن لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم, دار إحياء الكتب العربية, بيروت, الطبعة: الأولى، (1376 هـ - 1957 م), 2 / 200.
  11. () بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية, دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان, بلا رقم الطبعة وتاريخها, 4/9.
  12. () بيان إعجاز القرآن لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي, ص: 27, تحقيق: محمد خلف الله، والدكتور محمد زغلول سلام, مطبوع ضمن: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن, دار المعارف بمصر, الطبعة: الثالثة، (1976م).
  13. () المصدر السابق وصفحته.
  14. () انظر: السياق القرآني وأثره في الترجيح الدلالي, ص: 17.
  15. () السياق القرآني وأثره في الترجيح الدلالي, ص: 14.
  16. () جامع البيان في تأويل القرآن, 2/480.
  17. () المصدر السابق, 6/516.
  18. () انظر: نظرية السياق القرآني (دراسة تأصيلية دلالية نقدية) لمحمود المثنى عبد الفتاح, ص: 54, دار وائل, عمان, الأردن, الطبعة الأولى (2008 م).
  19. () انظر: مقدمة في أصول التفسير, ص: 39.
  20. () انظر: علم الدلالة للدكتور أحمد مختار عمر, ص: 68, عالم الكتب, الطبعة الخامسة (1998 م).
  21. () مقدمة في أصول التفسير, ص: 39.
  22. () التبيان في أقسام القرآن, ص: 187.
  23. () رواه الترمذي, في أبواب تفسير القرآن, باب "ومن سورة المؤمنين", برقم: (3175), 5/327, وصححه الألباني.
  24. () متفق عليه, رواه البخاري, 4 / 163, في بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلهِ} [لقمان: 12], رقم الحديث المسلسل: 3429, ورواه مسلم, 1 / 114, في بَابُ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ, رقم الحديث: 124.
  25. () إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية, تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم, دار الكتب العلمية – بيروت, الطبعة: الأولى، (1411هـ - 1991م), 1/265.
  26. () مقدمة في أصول التفسير, ص: 40.
  27. () انظر: تفسير الطبري, 9/327, وأخرجه الحاكم برقم: 3206, وصححه, انظر: المستدرك, 2/338.
  28. () الرسالة للشافعي, ص: 50.
  29. () الأضداد لأبي بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فَروة بن قَطَن بن دعامة الأنباري, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم, المكتبة العصرية، بيروت – لبنان عام النشر: (1407 هـ - 1987 م), ص: 2.
  30. () الإمام في بيان أدلة الأحكام لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء, تحقيق: رضوان مختار بن غربية, دار البشائر الإسلامية – بيروت, الطبعة: الأولى، (1407هـ - 1987م), ص: 159-160.
  31. () مجموع الفتاوى, 15 / 196.
  32. () المصدر السابق, 15 / 94.
  33. () والمعاجم المختارة أربعة: كلمات القرآن تفسير وبيان للشيخ حسنين مخلوف, ومعجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية بالقاهرة, المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته للدكتور أحمد مختار عمر, المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن الكريم للدكتور محمد التونجي.
  34. () انظر: كلمات القرآن, ص: 384.
  35. () انظر: معجم ألفاظ القرآن الكريم, 2 / 607.
  36. () انظر: المعجم الموسوعي, ص: 292.
  37. () التحرير والتنوير, 30 / 259.
  38. () انظر: المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن, ص: 299.
  39. () متفق عليه, رواه البخاري, في بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلهِ} [لقمان: 12], رقم الحديث المسلسل: 3429, ورواه مسلم, في بَابُ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ, رقم الحديث: 124.
  40. () انظر: كلمات القرآن, ص: 76.
  41. () انظر: معجم ألفاظ القرآن, 2 / 728.
  42. () انظر: المعجم الموسوعي, ص: 302.
  43. () انظر: المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن, ص: 308.
  44. () أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي, دار الفكر بيروت – لبنان: (1415 هـ - 1995 م), 1 / 6.
  45. () انظر: كلمات القرآن, ص: 9.
  46. () انظر: معجم ألفاظ القرآن الكريم, 1 / 426.
  47. () انظر: المعجم الموسوعي, ص: 187.
  48. () انظر: المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن الكريم, ص: 180.